محمد بن شاكر الكتبي
362
فوات الوفيات والذيل عليها
وكان الناصر سمحا جوادا حليما حسن الأخلاق محببا إلى الرعية ، فيه عدل وصفح ومحبة للفضلاء والأدباء ، وكان سوق الشعر نافقة في أيامه ، وكان يذبح في مطبخه كل يوم أربعمائة راس غنم سوى الدجاج والطيور والأجدية . وكان يبيع الغلمان من سماطه شي كثير عند باب القلعة بدمشق بأرخص الأثمان من المآكل الفاخرة . حكى علاء الدين ابن نصر اللّه أن الناصر جاء إلى داره بغتة ؛ قال : فمددت له شيئا كثيرا في الوقت بالدجاج المحشي بالسكر والفستق وغيره ، فقال : كيف تهيّا لك هذا ؟ فقلت : هو من نعمتك ، اشتريته من باب القلعة . وكانت نفقته في كل يوم أكثر من عشرين ألف درهم . وكان يحاضر الأدباء والفضلاء ، وعلى ذهنه كثير من الشعر والأدب ، وله نوادر ونظم ، وحسن ظنّ بالصالحين . وبنى بدمشق مدرسة جوّا باب الفراديس ، وبالجبل رباطا ، وبنى الخان عند المدرسة الزنجيلية « 1 » . وبلغه عن بعض الفقراء من الأجناد أنه تسمّح في حقه فأحضره ليؤدبه ، فلما رأى وجله رقّ له وأمر له بذهب وصرفه ولم يؤاخذه . وكانت تمرّ له الأيام الكثيرة يجلس فيها من أول النهار إلى نصف الليل يوقّع على الأوراق ويصل الأرزاق ، وقيل إنه خلع في أقل من سنة أكثر من عشرين ألف خلعة . وكانوا الفرنج قد ضمنوا له أخذ الديار المصرية على أن يسلّم إليهم القدس وبلاد أخر ، ودار الأمر على أن تعطى لهم أو للمصريين ، فبذل ذلك للمصريين اتباعا لرضى اللّه عزّ وجل ، وقال : واللّه لا لقيت اللّه تعالى وفي صحيفتي إخراج القدس عن المسلمين . ولما بعد عن خزائنه احتاج إلى قرض أرهن أملاكه وضرب أواني الذهب والفضة ، وقيل له في أخذ القابض « 2 » من الأوقاف ،
--> ( 1 ) يقال لها أيضا الزنجارية ، كانت خارج باب توما ، تنسب إلى فخر الدين عثمان بن الزنجيلي ، أنشئت في سنة 626 ( الدارس 1 : 526 ) . ( 2 ) كذا ولعلها : الفائض .